ملف الدادائية
--------------------------------------------------------------------------------
الدادائية فن الرافضين والحالات الذهنية الساخرة
fabigraph@yahoo.com
يقول مارسيل يانكو أحد أقطاب الحركة الدادائية: لقد فقدنا الأمل في أن يحقق الفن غرضه في مجتمعنا وقد حز في نفوسنا كثيرا الوضع المشين الذي نعاني منه
مدخل
دادا - الداداوية - الدادائية وكذلك الداديزم مسميات لحركة جريئة وخالدة وباقية بقاء الفن والأدب في حياة البشر وهي حركة شكلها وقاد فاعلياتها الشاعر الروماني تريستان تزارا (1896- 1963) في سويسرا احتاجا علي اندلاع الحرب العالمية الأولى.
تميزت هذه الحركة عن غيرها من المدارس الفنية والأدبية التي سبقتها بمحاولة التخلص من قيود المنطق المعتادة والعلاقات السببية في التفكير والتعبير وكان من مهمتها الكبرى التخلص من كل ما يعوق الحرية ويكبح جموح التلقائية في التعبير والإبداع الفنيين.
وعند الدادئيين أن ترسم ليس المهم أن تستخدم الريشة والخطوط والأصباغ بل عليك أن (تخربش- تشخبط بحسب تعبير الجميلة: نانسي) أي شخبط شخابيط وأرسم عل الحيط كما يروق لك أو كما عند الدادائيين أن تلصق صحيفة أو أعقاب سجائر أو أحذية قديمة مع خوذات عسكرية مهشمة أو علب مواد غذائية فارغة هذه لوحة.
والسؤال!! ما هي البواعث التي أدت إلى ظهور هذه الحركة النشطة والتي استقطبت حولها مظاهر الإعجاب والتشكيك ومواقف القبول والرفض.
الدادا والحرب العالمية الأولى
تتفق جميع المصادر التشكيلية عند رصدها لهذه الحركة أنها قامت أساسا كموقف احتجاج علي اندلاع الحرب العالمية الأولي، تلك الحرب التي أًهدرت فيها الطاقات البشرية وقُتل خلالها الرجال وقاسوا مصائبها وتشظي الرصاص في أجسادهم ثم ماتوا وهيل عليهم التراب أو غرزت علي بقايا عظامهم النصب حين يعثر رفاقهم علي جثث يدفنونها.
ففي أواخر عام 1914 كانت نوعية الحرب الدائرة قد تقررت واتخذت لها إطارا متميزا عن كل حرب سابقة، إذ اتضح أنها لم تعد حرب نصر حاسم سريع ولا قتال بضعة أسابيع أو شهور! كلا. لقد ظهر لكل قائد عسكري في أي هيئة أركان مشتركة في الحرب أنه يواجه حربا طويلة الأمد لا نصر فيها، فالخنادق لا تتزحزح وكل هجوم مباشر عليها مكتوب له بالفشل.
وككل حرب علي نطاق واسع قذفت إلى الخطوط الخلفية بشيئين أثنين من صنف البشر. أولهما حطام من يتحملون مشاق الطريق قبل أن يموتوا. وثانيهما فئات المشوهين وذوي العاهات الذين تقعدهم عن العمل. وكان النقص في خطوط القتال والمجهود المدني في حاجة إلى تعويض وهذا التعويض تمثل في البالغين الذين يُستدعون إلى الالتحاق بالجيش طالما توفر منهم ، بيد أن هؤلاء سرعان ما نزح عددهم لان آلة الحرب كانت تلوك القتلى فتحولت الأنظار إلى الصبيان وطُلب إليهم الانخراط في الجيش مرة باسم الدفاع عن شرف الوطن ومرة أخري بدعوة ضرورة الإخلاص للملك والتاج.
وبمثل هؤلاء الصبية وذوي العاهات ظلت الجيوش المتحاربة يتضخم عددها بإمدادات جديدة حتى عام 1916 ثم أخذت جميعا أما في الثبوت مع تدني مستوي العمر أو الانكماش التدريجي المحتوم ، كما نتج عن حاجة الجبهات إلى العتد أن أقيمت مصانع الذخيرة في مختلف أنحاء أوربا.. وطبيعي أن أصحاب المال هم الذين أقاموها طمعا في ازدياد ثرواتهم فكان من مصلحتهم أن يطول أمد الحرب ويستهلك الجنود ما تشتريه حكوماتهم وبمعني آخر صار من سياسة هؤلاء ترويج صناعة الموت والمتاجرة بالأرواح.
اثر هذا الوضع تحول اقتصاد أوربا إلى اقتصاد عسكري وظهر إلى الوجود أنظمة توائم ذلك. فالعمال اُقنعوا بالمعروف أو اُجبروا بالتهديد بالحبس أو الوصم بالخيانة العظمي بان يتحولوا إلى آلات في المجهود الحربي وطُلب منهم أن يتناسوا مستوي حياتهم العادية في أيام السلم وأن يغفلوا تماما عن طموحاتهم.
والموظفون خضعوا لتعليمات الانضباط الرسمي ومجالس التأديب التي يعقبها قطع المرتبات إذا عاندوا والفلاحون أصبحوا مضطرين للعمل والقبول بتسعيرة الدولة. كل هذا لتزيد من أرباح الرأسماليين وتتضخم ولم تكتف الحرب العالمية الأولي بإبراز قضايا عسكرية وإستراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية وإنما انتقلت إلى الميدان الاجتماعي أيضا. فقد واجهت الحكومات المتحاربة تموين عائلات الغائبين في الميدان والتعويض عن المشوهين العائدين علاوة علي تفشي الانحرافات الخلقية وشاع بين الناس التذمر الصريح بعدم الرضا وتمثل ذلك بشكل واضح في قيام الدادائية والاحتجاج علي ما يحدث بالفن المشاغب والأدب غير المألوف.
تريستان تزارا.. مرة أخري
عند اندلاع الحرب العالمية الأولى تنصل (تريستان تزارا) من أعباء التجنيد في الجيش الروماني وفر هاربا عبر الأودية والبحيرات والأحراش إلى أن وصل إلى سويسرا البلد المحايد في تلك الحرب واستقر به المقام في مدينة زيورخ وألتف حوله لفيف من صعاليك الفن والأدب المناوئين للحرب.
تريستان تزارا
وكان في زيورخ ثمة حركتان تُعدان الخطط المتوهجة لتغيير شكل هذا العالم ، ففي شقة رقم (12) في شارع شبيغلغاسة كان: لينين وبعض رفاقه يعدون لثورة تهدف إلى القضاء علي النظام الطبقي وإلغاء الحروب الاستعمارية.
وبمحض الصدفة وفي الشقة رقم (11) بنفس البناية والشارع يجتمع فنانون وأدباء هاربون أو منفيون من بعض بلدان أوربا المتحاربة.. اجتمعوا هؤلاء الصعاليك ليعبروا عن استنكارهم لهذه الحروب الطاحنة ويسفهوا الدول المتصارعة التي تدعي الحضارة والتي تأكل بعضها بعضا اجتمعوا بهدف رفض كل مظاهر الثقافة السائدة وفي مقدمتها الفن.
عند الساعة السادسة من مساء يوم: 6.2.1916 ولدت في مقهى كافيه دي لاتيراس في مدينة زيورخ كلمة: دادا - DADA ولقد صرح تريستان تزارا فيما بعد قائلا:
لقد ولدت كلمة دون أن يعرف أحد كيف كان ذلك.
تعدد معاني كلمة: دادا
في لغة الشاعر تريستان تزارا الرومانية تعني: أجل.. أجل. وفي الفرنسية إشارة إلى لعبة من لعب الأطفال علي شكل حصان خشبي هزاز وتستعمل الكلمة في الألمانية للدلالة علي السذاجة والغفلة والإيطاليون يطلقونها علي زهرة النرد وأحيانا الأم. وفي بعض مناطق أفريقيا السوداء يسمون ذنب البقرة المقدسة: دادا. وفي الكثير من اللهجات العامية العربية تسمي المربية ومرضعة ولد غيرها :دادة.
أندريه ماسون - Andre Masson
في منتصف السبعينات اكتسحت إحدى أغاني البوب الشعبية قوائم المبيعات لفترة طويلة وفي جميع أنحاء العالم أغنية تقوم علي ترديد كلمة واحدة فقط هي: دادا. مما دفع الفنان المصري الكوميدي الظريف: محمد عوض إلى إلباس هذه الأغنية كلمات مصرية تدور حول عربة رش المياه في الشوارع أثناء الصيف.
الملتقي الأول للدادائيين
تأسس هذا الملتقي تحت اسم: كاباريه فولتير ليسلي رواده ويقدم لهم أوجهًا من النشاطات الفنية والأدبية للسخرية من الحرب والنعرات القومية. ويعرض تاريخ هذه الحركة أيضا إلى رجل ينتمي إلى بلد المفكرين والشعراء والموسيقيين الكبار (ألمانيا) رجل طويل القامة بإفراط هزيل البنية اسمه: هوغوبال جاء إلى سويسرا عند نشوب الحرب العالمية الأولي مع صديقته: إيمي هينغز التي تجيد الغناء وإلقاء الشعر. أما هوغوبال نفسه فكان فيلسوفا وروائيا وشاعرا وصحفيا وصوفيا وهو في كلمتين (صعلوك مثقف) وعندما لاحت لهذا الصعلوك فكرة إنشاء هذا الملتقي أتصل بشخص يدعي: أفرايم يمتلك صالة ليلية باسم: مييري ليجعل منها: ماخور ثقافي إذا جاز التعبير. فلبي: أفرايم طلبه وعلي الفور ذهب هوغوبال إلى معارف له من الشلة الدادائية وأخذ يقول للواحد منها:
هل لي بلوحة أو صورة.. قصيدة أو منحوتة بهدف إقامة أول ملتقى يجمع شتاتنا نحن الصعاليك.
ولم يكتف بذلك بل قصد بعض دور الصحافة في زيورخ لينشروا له إعلانات بالمناسبة. وفي الخامس من شهر فبراير 1916 تم تدشين كاباريه فولتير واشتمل المعرض الأول علي أعمال من بيكاسو قام بجلبها له هانز آراب وتخلل ذلك أمسية روسية ألقيت فيها أشعار من بولنير وماكس جاكوب ورامبو وغيرهم.
فرنسيس باكون - Francis Bacon
وفي نفس العام صدر العدد الأول من مجلة: دادا وكان الشاعر تريستان تزارا رئيسا لتحريرها والمخرج الفني لصفحاتها وقد دعي للكتابة فيها كتاب وشعراء كبار من خارج سويسرا من أمثال أراغون - ايلوار - برايتون - سوبو.
وساهم في عروضها التشكيلية الموالية كل من بيكاسو -مودلياني- كاندنيسكي ولم تتوقف مجلة: دادا عن الصدور وكانت كعادتها تطبع بطريقة مشوهة.
في السابع من شهر مايو عام 1920 صدر العدد السابع ومن مقدمته نقتطف الفقرة التالية:
اصرفوا بأسنانكم.. اصرخوا.. اركلوني علي أسناني.. ثم ماذا!! لن أكف عن أن أنعتكم بأنصاف الموهوبين وبعد ثلاثة أشهر سوف نبيعكم أنا و أصدقائي صورا ببضعة فرنكات.
وهكذا راح الدالدئيون يواجهون العالم بكل ما يمكن أن يهزه من تخريب وافتعال الضجة والضحك علي الذقون والضحك فقط في غالب الأحيان، ناهيكم عن الغطرسة والإساءات والإهانات والفضائح الفاقعة والسخرية من ذواتهم ومن الآخرين.
جين أرب Jean Arp
وذات مرة أعلن الدادئيون في باريس عن بيان يتلى علي الناس في تاريخ معين وبدلا من هذا البيان قرأ : تزارا مقالا من صحيفة اختيرت بحسب الصدف بينما كان بول ايلوار و تيودور فرنكل يقرعان الأجراس.
قصيدة الصدفة
أو بالأحرى قصيدة من غير شاعر وكنموذج من هذا الشعر تناول: تزارا بضع مقالات من صحيفة يومية تافهة وقصها قصاصات صغيرة لا تزيد مساحة الواحدة منها عن معدل الحيز الذي تشغله الكلمة ثم وضع الكلمات المقطعة في كيس دقيق فارغ وخضها جيدا ثم تركتها تتناثر علي طاولة والترتيب أو اللاترتيب للكلمات سوف يؤلف برأي تزارا قصيدة من نظم الصدفة.
فوتوغرافيا دادائية
وفي مجال التصوير الفوتوغرافي كان أحد المصورين الدادئيين يقطع رحلة بين دوسلدورف وكولن في ألمانيا بان ثبت آلة التصوير في نافذة القطار وطفق يلتقط الصور كيفما أتفق كل خمس دقائق وشكل بترتيبها العشوائي فيما بعد أول معرض فوتوغرافي دادائي. وحصل مع الموسيقي ما هو افضع من قرع العلب المعدنية الفارغة والطلقات النارية الحية مكان الإيقاع والنباح والعويل بدل الغناء.
الفولغا يصب في بحر قزوين
أما الكتابة التلقائية فأطلق لها العنان العبثي والصدفة واللاوعي وحل اللانظام محل النظام واللامنطق مكان المنطق والعفوية والبراءة سدت المنافذ في وجه التزمت والتصنع. وفي الكتابة التلقائية أيضا ينبغي للمرء أن يكتب كما يقوده قلمه من غير أن يبحث عن الكلمات المناسبة أو الالتزام بقواعد النحو وتصريف الأفعال. وتعتبر رواية: الفولغا يصب في بحر قزوين للكاتب بيليناك رواية كولاجية إذ ادخل بين أحداثها نصوص قصيرة مقتطفة من الصحف وقصاصات الأخبار وعناوين الإعلانات وتخلي بذلك عن الواقعية الموضوعية ذات الخط الواضح لقاء بحث جمالي وفن يلعب علي مستويات مختلفة. والفنان الدادائي - بيكابيا يري:
أن الجمال يمكن أن يولد من اتحاد أشياء غير متوقعة أكثر من غيرها بشرط أن تكون اليد التي تجمعها يد فنان.
البيان الدادئي الأخير
في منتصف شهر مارس عام 1922 وبحضور أقطاب الدادائية القي تريستان تزارا كلمة البيان الأخير لهذه الحركة نورد منها أهم الفقرات المثيرة للتأمل:
إن دادا تشق طريقها وهي ماضية لا في التوسع بل من أجل تخريب ذاتها وهي لا تبغي أن تتوصل إلى نتيجة أو تكسب مجدا أو فائدة عبر جميع إرهاصاتها المقرفة فقد كفت نهائيا عن الكفاح لأنها تدرك أن ذلك لا يخدم غرضا ما.
كورت شوتير - Kurt Schwitter
توقف تزارا برهة وابتلع ريقه.. جال ببصره علي وجوه رفاقه من شراذم الثقافة المحبطة تنهد وواصل تلاوة البيان: إن دادا كانت حالتنا الذهنية الساخرة وكانت للرافضين من أمثالنا نقطة الارتكاز التي تلتقي عند نعم وعند لا وتحتوي كل المتناقضات السائدة ولان دادا كانت لا تؤمن بشيء فقد انتهت وانتهت لأنها لم تؤمن حتى بمبادئها.
ميشيل دوشامب
في أثناء هذا البيان كان: دونزيرغ يذرف ابتسامة ساخرة وهانز آراب يعبث بلسانه في شاربه الدقيق وكان هانز ريختر يتقيأ آهاته وجعا بين وقت وآخر.
ماكس إرنست - Max Ernest
والدادائية التي حملت مشعل: بروميثيوس لتشعل الحرائق في كل مكان كانت من أكثر الحركات الفنية انتقائية وكانت تكره أن تلبس ثوبا واحدا وتكره أن تلبس الثوب أكثر من يوم واحد.. كانت ضد كل حالة كانتها وتكونها وضد الفن ثم ضد الفن المضاد وضد الصدفة وضد الصدفة المضادة.
اندرية برايتون - Breton
ومن بين أنقاض وركام الصرح الدادائي المنهار انبثقت حركة أخري تولي زعامتها الشاعر الدادائي السابق: أندريه برايتون ليصبح وحده أكبر داعية للتجافي عن العقلانيات والمنطق والتنظيم مستجيبا لكل ما هو من الحلم واللاوعي والأشباح والطلاسم، والرموز وأطلق علي حركته الجديدة اسم: السريالية أو ما يعرف في لغتنا العربية بـ: (السمو واقعية) ليجعل منها وقفا علي المثقفين ولكن أي مثقفين.
إنهم المثقفون الذين تلاعبوا في مجريات حركة المد والجز وتصرفوا في عدد نبضات القلب و ألوان قوس قزح وما يستقر في مكنون العقل الباطن وسراديب الأحلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حفر ومطبات:
(1) - الدادائية بين الأمس واليوم - تأليف: علي الشوك - المؤسسة التجارية بيروت 1973
(2) - الحرب العالمية الأولي - إعداد: عمر الديراوي - دار العلم للملايين - بيروت 1970.
السبت، 2 يناير 2010
الجمعة، 1 يناير 2010
نص شعري مشترك
الألمُ حركةً
نص مشترك
عبد الرحمن عفيف
إبراهيم حسو
يجبُ أن تهبي لي نفسك كلَّها، كي لا أتعذب، و لا يبقى لديك أيةُ إشارة لغيري.
يجب أنْ ينفتح وجهكِ، وتخرج الشمس التي تعذبني في اليقظة، حين تضحكين،
والقمرُ الأبيضُ الجميلُ القاعد تحت قدميك الرقيقتين بخوف. أنتِ مليئة بالارتعاش البارد.
قلبُكِ تحتَ يدي كأنه عصيرُُ، يأخذه فمي، مبكراً، أو متأخراً، وأنتِ تدرين أنَّ خوفك ينتشر على سهول الشعر المخيفة,
تعرفين أن هاتين اليدين اللتين تقبلان أنفك، والغموض الناحل تحت جفنيك، هما يدا قشٍّ؟
أتدرين أنَّ جسدك الناحل القويَّ قليلاً، المرغوب فيه، المشتهى في الأبدية ضريحُُ ما؟؟
أنت تخافين حقاً، حين أتكلم عن الأضرحة، أنت لا تنظرين إليّ حين أبدو هكذا حزيناً، وأقول لك
إنني مشتاقُُ إلى أمي، وأنني أمتلئ الآن بالدموع، بينما أنظرُ إلى صورك قبل عدة سنوات ، خبَّأتها بقوة كي تفجري قلبي تحت أرجل كراسي مطبخك الواسع كصالة رسم.
أنت جميلةُُ، كأنّكِ امرأة موميائية ، نسيتْ لغتها، وجاءت إلي لأعلمها الحب.
أنتِ غارقةُُ في أحلامي، كأنك في مستنقع من الأزهار والريح.
أنت اضطراب الأزرق البذئ ,
أنت العظمة الدفينة في ارض مخبأة
بين شقوق كتاب طفل لا يسمع ولا يتنفس سوى بالكلمات الباردة.
أنت كلمات باردة منتقاة بحذر السحرة
الذي ينتظرون الفجر مثلي ويكتبون مايتركه الظلام
لأطفال الظلام.
أنت
هنا دون أخوة يحاسبون الكواكب و الدببة السماوية الواقفة على كفك
دون صفات الأم التي تسهر على المروج الفولاذية
وتحرس حدائق الشعر شجرة متدلاة من فم متهور
متراخية تغمغم جيئة و ذهابا
ويخط الذهب المبعثر على مداخل الفجر العظيمة
لتعلو أصوات اللاهثين وراء الكتابة
وينهمر الخوف على درج الليل .
أنت واضحةُُ، وغبيةُُ، وجميلةُُ، لن تكفي السنوات كلها، أن تجعل مني شاعرا عنك،
وأنْ أنسى مستنقع الأزهار الذي غرقنا فيه مائة سنة.
أنت تتذكرين، كيف مرتِ الحُبارى والناقوسُ، والساعةُ تحت لغطنا المميت، مرري بلسانك
الفاتح تحت أسناني الصاخبة، وهي تعض الزمن، كي تبقي بجنبي، وحين تدق شجرة ما أو تدق نبتةُُ ما، وحين يحلُّ علينا الغرامُ بقوة، لا نعرف كيف نخبّيء زنابقنا وأيدينا ووجهينا في وجه واحد، في مشية واحدة مع الغابة، في ضحكةٍ واحدةٍ، تخرج عارية إلى الممر، كيف تضحكين؟ كيف تلقين بهذه الأشعة الفولاذية المتحركة على قلبي في الغيرة؟ هذا الولد المتراكض في حلم "عامودا"، وعلى طرقات يديكِ، الآن، تمسكينَه من قلبه بعنف قليلاً، وهو يأتي إليك، كأنّه يعرفك منذ عشرين عاماً، كما كتب إليك مرة، وكما أرسل إليك كلَّ رسله الطيور، التي كان يضربها البرد في كل اتجاه، وكما كان يتمسك بك، بفستانك، ويقبلك فجأة، كأنه رأى حلماً فيه يخسركِ خسراناً. كيف يفتح صندوق قلبه الزجاجي ذا المائة قفل والمئتي مفتاح؟ كيف يرمي ذكراك على الشارع، وينظر إلى الورود والشبابيك ودروب الغابات؟ كيف يمضي إليك ولا يجدك؟؟
أيتها العائلة، أيتها الغابة!
كيف يدنو منك مجازفاً وخائناً وكسولاً وعالماً أنك يجب أن تتركيه، عالماً أنه يفقدك كأنّما يفقد يديه وعينيه، ويجب أن يقف كبطل تحت صفوف من المشاريط؟؟
البرد
ها هنا لأول مرة
على العربات التي تجر الضباب
رائقا يصفر في سكنى الشعراء
الموصدين منذ أزل بين قصائدهم
و الذين لا يرون من النور سوى بلوره
ومن الريح حدوات الريح .
هنا
البرد
رائقا في براري العيون الشهوانية
مضيئا كنجم يفسد السماء
بالعتمة المالحة ويلمس حجر جسدي
كأنه يلمس أوراق الشوك المستيقظة دائما.
هنا
السر
فاقدا منزله الأبدي بين عين لا ترى
سوى أصيص ارض مغلقة و مشمعة بصمت غريق
هنا
الحياة
التي تنقلب بداهة إلى صفائح الشعر المهرهرة
والكلمات الطاهرة غيوما متفتحة.
والأرض المدلاة من فوق تصير حكمة مفخخة .
والشمعة الذاهبة في روحك غامضةُُ بعد الظهيرة، لسانك مفتاحُُ، وبقية دهن، ومخدةُُ، وقلبك مقهى الماء، وعيناك صاخبتان وكسولتان، والحب الذي يشرق منك هو أنت وكل جسدك غرام، وجسدك قبل شهر كان يأخذني بغفلة، وبغير غفلة، كان يأكل أنفاسي، وأنفاسي المتماوجة من ضغط السجائر، والوردة المضرجة بالرغبة تأكلني، أيضاً وحبك مخيف وحزين مرة ويناديني دائماً، كأنه موتي، وكأني ميت لا أسمعه، وأسمعه، وأبكي لأنه وحيدُُُ.
أنت وأنا، وأنت وأنا، وأنت وأنت...؟؟
كيف نمشي؟ يدي في يدك، أو عيناي على عينيك بقوة هذه الظهيرة، أيتها المرأة المجازفة بكل شهوتي إليها؟ كيف نمشي حين نرى أنفسنا عاريين، نقبض على أول وجع يمضي منا، ونحرك أنفسنا لنعلمَ أننا لم نفقدْ نفسينا إحداها في الأخرى، في بعضنا، وأننا في هذا السرير الليلي، طائران يبحثان عن قفص، كي يضربا بجناحيهما الممتلئين دماً بالقضبان، ويلتقيا، المنقاران ممتلئان دماً، الريش يضخّ دماً، والروح ممزقة إلى آلاف الآلام.
هنا
جسد كمثل الشهوة
لا غضب أملس ضارب في الأعماق
لا ارض قبالة الألم الذي يلتمع فيّ
كلما اجتزت الحنين
وصرت جزءا من إضلاعه
كلما قلبت اخضرار الجمر
وصرت لمعانه .
هنا يسقط الهواء على ماض قريب
فتستيقظ الشلالات من جهالتها الأبدية
ويبدأ السّر بأفعاله المضحكة
الكل هنا
نيام كالهواء ذاك
على مخدات حجرية مغموسة بالبرد ذاك .
مثل رشاقة الشعراء السوريالين
الذين عبرو روحك
وطوقوا نباتات عظامك
وضاءو الهواء الغريب في أنفاسك
وجعلوك أميرة بين قصيدة وأخرى
مثل صفاء الحجر
تخيلوك ثمرة الشعر الممنوحة عادة لأميرات الليل والرغبة .
ووجدوا فيك النقاء والرجس وصرت بلا خوف مرشدة الجحيم والإخلاص .
مثل رخاوة الصمت
وغطرسة الصوت
تفرجت على يد الحكمة وهي تقطع شريط الظلمة
وصفقت معهم _مع السوريالين _ صغار الموت
وهم يدحرجون الأرض نحو نهر اللذة
مثل الموت جميعاً
أنبتك الطيور الرقة وهي ترفرف عاليا عاليا بلغتها.
لا اذكر الطريق إلى جسمك
منذ متى وأنت بلا جسم
أين الحياة العابرة في كفك
والعمق الذي يدر الخوف والجمال من فمك.
لا اذكر
المكان الذي لمست فيه عينك
أية نغمة فولاذية كانت في طريقها إلى إذني
أية أنفاس كانت تدق بثقل أنفاسي المثقلة
لا اذكر
كيف تركت جسمك
دون أن أسد فجوات الألم
الذي احدثه جهازي المخلص لكل شاردة وواردة
من سفوحك .
سُمُّك الدموي هذا الذي أشربه يومياً، ويكسر أحلامي، ونومي كأنّما عقوبتي أتلذذها، وأنت تتكاسلين أن تفتحي يديكِ اليوم.
أنت غائبةُُ في صفيح كآبتي، وأتنفسك كأنما كنتِ لي صنماً في كهف عميق، كأنما كنتُ أقبّل صنماً،
كأنما كنتُ أحضن صنماً جائعاً، وكأنما أنا ميت على ساقيك المسيحيتين المضمختين بالصلبان، المضمختين بآلاف الرجال الذين غرقوا... عندك
وأنا جريحُُ أبدي،
أنتِ قفصُُ أبدي،
وقضبانك أبدية، وجسدك باردُُ ومخيفُُ، وقلبك باردُُ ومخيفُُ، ويلعنني في الصمت الأعمق، وأنا أبتهل إليك، كأنما كنتِ كنيسةً، أو محراباً من اللحم البشري.
لستِ حجراً،
لستِ طائراً،
أو نبتة كما كنت تسمّين نفسك،
أنتِ لبوة تفترس رأسي وقلبي. أنتِ أكلتِ قلبي... ثم استدرت، ولم تعرفيني.????
لأرى المدمنين على الحب، يحفرون حناجرهم بالقرب من الجسور، بالقرب من وحوش عزلة الكراسي والنباتات المزروعة تلقائياً هنا، أراهم مثلي يضحكون، أو يقرؤون خطوط جباههم التي اكتهلت قبل الأوان؛ يقرفصون هنا لآلاف الساعات، يدخنون الماضي، كأنّما ليسوا هم الذين أحبوا أمهاتهم بجنون، ثم أحبوا امرأة ما كان يجب أن يحبوها، أو كان يجب أن يرموا بأنفسهم في شهيق آخر، لكنهم فعلوا، لكنهم هكذا فرشوا مياه بواطنهم كمرآة ما، بغير خوف، وكانوا هكذا واسعين، ويشرقون، وكانوا هكذا غرباء، ويؤمنون بالضحية. قالوا نريد أن تعرفَ فينا النباتاتُ أسرارَها البشرية، البشر نريدهم أن يعرفوا جذورهم الشجرية، وقرابتهم إلى الطير، كانوا واسعين مثل سماء، بغير أن يزينوا قلوبهم بأي دواء، وصفاءٌ ما كان يرفرف على أيديهم، وهو يلوحون لغزالات دواخلهم أن ترعى في هذا الفضاء، مثل طفل أحبوا كل امرأة كانت تنظر إليهم ، وإذا ابتسمت إحداهنّ، كان غرامها يمزقهم لست سنوات طوال. نسوا أيديهم، ظنوها للتلويح والملامسة، وتقبيل الوجنات، نسوا عيونهم، ظنوها للترقب والترقرق في لحظات الحلم المخرب الجميل، وغنوا، ورقصوا بفمهم مثل ناي، ناموا وهم يتهامسون عن غد، عن شموع مرفرفة على الصور، كانوا شجعاناً كمثل فراشة، ربما ممتلئين بالخيال، مستعدين أن يختلقوا مائة شجار للدفاع عن مفهوم الوردة.
استيقظوا مبكرين جداً، أحياناً لينظروا في قلوبهم، صنعوا من أجفانهم صحوناً ملونة، ومن أصابعهم أوراقاً غائبةً، وتمددوا هكذا تحت الجسور، من يمر يحسبهم مأخوذين بطغيان المخدر وزبيبه، لكنهم يعرفون أنهم لن يستيقظوا أبداً، سيظلون ممددين وعيونهم مفتوحة، أياديهم مبسوطة وقلوبهم ملقاة هنا وهناك، عليها آثار غبرة ما، آثار كآبة لم يتصنعوها، إنما جاءت إليهم كضيف، هكذا، يلهج كل منهم باسم خاص به، يجده طائره، أو ربما أرضه، ربما بيته، ربما شيئا آخر غير هذه العزلة الفظيعة التي تمضغ قلوبهم، غير هذا الغبار البارد القليل الذي يملأ الآن جوانب روحهم، فلا يستطيعون النظر جيداً، إنهم علمُُ هناك، جمعهم شجرة قلوبهم ثورةُُ، غبارهم ماءُُ، عيونهم مرجُُ. كسالى قليلاً. لكنهم شبانٌ، لكنَّ أرجاء العالم كلِّه تدقُّ في بواطن أكفهم.
انهضوا أصدقائي.
????
تأخذينني وتجيئين بي إلى فمك الضعيف، كشمعة ونعيم، تتلونين بالغضب والحب، وأعرفك في غضبك كامرأة تحبني من عمقها، وفي الحب أيضاً أعرفك بجسدك المضيء، كغرفتك التي أشعلتها بالشموع ذات ليلة، ويلومونك، لأنهم لا يعرفونني، وأنت تلومينني لأنك تريدين أن تكوني في قميصي الليلي، بصمت تريدين أن تقضمي قلبي ورئتي، أن لا تبقي أية إلتفاتة لغيرك، في غضبك تصير اللحظات القليلة التي نملكها مستعبدة، وتصيرين سيدة في منتهى روحها، هل أشدّ على يد غضبك، وأقبّل فمك الجريح كثيراً كثيراً، وأصابعك التي تتوسل إليّ، حبك الذي يتوسل إلي، ولا أبالي به، كل منا يجري في زقاق؛ حبك الذي جرّحني بسكينه، وأنا الذي يقطر قلبي هنيهة هنيهة،
أنا السحابة التي حطت على يديك، وطلبتْ منك الماء والعشب، أنا الزهرة التي وضعت نفسها على شفتيك، وطلبت أن تقبليها، أنا وقتك الذي ترمينه في الكسل والنسيان، أنا الشارع الأبدي الذي يمر أمام أدراج منزلك، أنا الصحوة واللهو، أنا جسدك الأول والأخير، وحين تنامين، أنا الشمس التي وقفتْ في سريرك، ونامتْ سبعة أشهر على بطنك الألذ، أنا اليدان اللتان شدّتا الأزرار في قميصك الداخلي، وفي معطفك، وكنت ميتة من الابتسام والدهشة، أنا الذي شبهك بنفسه، ونام على يديك، واستيقظ على يديك، وجعلك شيئاً ما غامضاً يلهو بروحه، جعلك أدهى خسارة لنفسه، أنا من انشغل في مدّ وربط وحياكة كل هذه الأسرار، ووقف يتأمل، لم تعجبه كلها، كانت لا تناسب تماماً النار، فأشعل نفسه في أن يخسرك.
أنا الخارج للتو منك، لا يعجبك هذا بالتأكيد، أنت الخارجة مني للتو، لا يعجبك. أنت صيفُُ، أنت دراجة، أنت ورقة، أنت حبُُ، أنت شهوة، أنت طعام، أنت فاكهة.
أفتقد شفتيك بموت في هذه اللحظة، أفتقد بطنك وثدييك وظهرك بعظامه الظاهرة قليلاً، ساقيك البهيجين، ما تحت شفتيك، أنفك وأساه، غيوم وجنتيك وقدميك الفضيتين، أصابعك الخفيفة، أفتقد أن تقولي لي إنك تكرهينني، أو إنك لا يهمك كل هذا، أفتقدك كأني أُولد بدونك كل مرة، وكان ممكناً أن نولدَ سوية من بطن واحد، وروح شبيهة.
أفتقدك كأنك شمعة، أحرقت رقبتي، أحرقت أصابعي، وجعلتها شبيهة بالأحجار والنباتات، كأنك شمعةُُ أنارت صخبي وخوفي، وغنّتْ في سريري، وأدفأتني، أحرقت نفسها، وأحرقت قلبي في أسنانها، وأجدني هنا محترقاً بالتشبيهات التي أختلقها يومياً في سريري، وأجدني محترقاً جنب جسدك الذي كنتُ أحسبه ضعيفاً، وقلبكِ،
وأحتاج غطاء يُرمى على ماء جفوني،
وأحتاج رائحة الأزهار القديمة تنثر على كفي وجسدي الطويل،
وغمغمتك، وإستفاقتك صباحاً، وأحتاج جملة ما تذكرني أني عندك، وأن الهواء الذي نتقاسمه، هو الهواء الجميل الذي بقي في الغرفة من الليلة السابقة، أو من الشهر السابق، الهواء الذي مازالت ظلالُنا الماضية، ودهشتنا الماضية تتحرك فيه، وإقتراباتنا وحنيننا.
????
شاعران من سورية
عن جريدة الغاوون الشعرية العدد 22 كانون الاول2009
نص مشترك
عبد الرحمن عفيف
إبراهيم حسو
يجبُ أن تهبي لي نفسك كلَّها، كي لا أتعذب، و لا يبقى لديك أيةُ إشارة لغيري.
يجب أنْ ينفتح وجهكِ، وتخرج الشمس التي تعذبني في اليقظة، حين تضحكين،
والقمرُ الأبيضُ الجميلُ القاعد تحت قدميك الرقيقتين بخوف. أنتِ مليئة بالارتعاش البارد.
قلبُكِ تحتَ يدي كأنه عصيرُُ، يأخذه فمي، مبكراً، أو متأخراً، وأنتِ تدرين أنَّ خوفك ينتشر على سهول الشعر المخيفة,
تعرفين أن هاتين اليدين اللتين تقبلان أنفك، والغموض الناحل تحت جفنيك، هما يدا قشٍّ؟
أتدرين أنَّ جسدك الناحل القويَّ قليلاً، المرغوب فيه، المشتهى في الأبدية ضريحُُ ما؟؟
أنت تخافين حقاً، حين أتكلم عن الأضرحة، أنت لا تنظرين إليّ حين أبدو هكذا حزيناً، وأقول لك
إنني مشتاقُُ إلى أمي، وأنني أمتلئ الآن بالدموع، بينما أنظرُ إلى صورك قبل عدة سنوات ، خبَّأتها بقوة كي تفجري قلبي تحت أرجل كراسي مطبخك الواسع كصالة رسم.
أنت جميلةُُ، كأنّكِ امرأة موميائية ، نسيتْ لغتها، وجاءت إلي لأعلمها الحب.
أنتِ غارقةُُ في أحلامي، كأنك في مستنقع من الأزهار والريح.
أنت اضطراب الأزرق البذئ ,
أنت العظمة الدفينة في ارض مخبأة
بين شقوق كتاب طفل لا يسمع ولا يتنفس سوى بالكلمات الباردة.
أنت كلمات باردة منتقاة بحذر السحرة
الذي ينتظرون الفجر مثلي ويكتبون مايتركه الظلام
لأطفال الظلام.
أنت
هنا دون أخوة يحاسبون الكواكب و الدببة السماوية الواقفة على كفك
دون صفات الأم التي تسهر على المروج الفولاذية
وتحرس حدائق الشعر شجرة متدلاة من فم متهور
متراخية تغمغم جيئة و ذهابا
ويخط الذهب المبعثر على مداخل الفجر العظيمة
لتعلو أصوات اللاهثين وراء الكتابة
وينهمر الخوف على درج الليل .
أنت واضحةُُ، وغبيةُُ، وجميلةُُ، لن تكفي السنوات كلها، أن تجعل مني شاعرا عنك،
وأنْ أنسى مستنقع الأزهار الذي غرقنا فيه مائة سنة.
أنت تتذكرين، كيف مرتِ الحُبارى والناقوسُ، والساعةُ تحت لغطنا المميت، مرري بلسانك
الفاتح تحت أسناني الصاخبة، وهي تعض الزمن، كي تبقي بجنبي، وحين تدق شجرة ما أو تدق نبتةُُ ما، وحين يحلُّ علينا الغرامُ بقوة، لا نعرف كيف نخبّيء زنابقنا وأيدينا ووجهينا في وجه واحد، في مشية واحدة مع الغابة، في ضحكةٍ واحدةٍ، تخرج عارية إلى الممر، كيف تضحكين؟ كيف تلقين بهذه الأشعة الفولاذية المتحركة على قلبي في الغيرة؟ هذا الولد المتراكض في حلم "عامودا"، وعلى طرقات يديكِ، الآن، تمسكينَه من قلبه بعنف قليلاً، وهو يأتي إليك، كأنّه يعرفك منذ عشرين عاماً، كما كتب إليك مرة، وكما أرسل إليك كلَّ رسله الطيور، التي كان يضربها البرد في كل اتجاه، وكما كان يتمسك بك، بفستانك، ويقبلك فجأة، كأنه رأى حلماً فيه يخسركِ خسراناً. كيف يفتح صندوق قلبه الزجاجي ذا المائة قفل والمئتي مفتاح؟ كيف يرمي ذكراك على الشارع، وينظر إلى الورود والشبابيك ودروب الغابات؟ كيف يمضي إليك ولا يجدك؟؟
أيتها العائلة، أيتها الغابة!
كيف يدنو منك مجازفاً وخائناً وكسولاً وعالماً أنك يجب أن تتركيه، عالماً أنه يفقدك كأنّما يفقد يديه وعينيه، ويجب أن يقف كبطل تحت صفوف من المشاريط؟؟
البرد
ها هنا لأول مرة
على العربات التي تجر الضباب
رائقا يصفر في سكنى الشعراء
الموصدين منذ أزل بين قصائدهم
و الذين لا يرون من النور سوى بلوره
ومن الريح حدوات الريح .
هنا
البرد
رائقا في براري العيون الشهوانية
مضيئا كنجم يفسد السماء
بالعتمة المالحة ويلمس حجر جسدي
كأنه يلمس أوراق الشوك المستيقظة دائما.
هنا
السر
فاقدا منزله الأبدي بين عين لا ترى
سوى أصيص ارض مغلقة و مشمعة بصمت غريق
هنا
الحياة
التي تنقلب بداهة إلى صفائح الشعر المهرهرة
والكلمات الطاهرة غيوما متفتحة.
والأرض المدلاة من فوق تصير حكمة مفخخة .
والشمعة الذاهبة في روحك غامضةُُ بعد الظهيرة، لسانك مفتاحُُ، وبقية دهن، ومخدةُُ، وقلبك مقهى الماء، وعيناك صاخبتان وكسولتان، والحب الذي يشرق منك هو أنت وكل جسدك غرام، وجسدك قبل شهر كان يأخذني بغفلة، وبغير غفلة، كان يأكل أنفاسي، وأنفاسي المتماوجة من ضغط السجائر، والوردة المضرجة بالرغبة تأكلني، أيضاً وحبك مخيف وحزين مرة ويناديني دائماً، كأنه موتي، وكأني ميت لا أسمعه، وأسمعه، وأبكي لأنه وحيدُُُ.
أنت وأنا، وأنت وأنا، وأنت وأنت...؟؟
كيف نمشي؟ يدي في يدك، أو عيناي على عينيك بقوة هذه الظهيرة، أيتها المرأة المجازفة بكل شهوتي إليها؟ كيف نمشي حين نرى أنفسنا عاريين، نقبض على أول وجع يمضي منا، ونحرك أنفسنا لنعلمَ أننا لم نفقدْ نفسينا إحداها في الأخرى، في بعضنا، وأننا في هذا السرير الليلي، طائران يبحثان عن قفص، كي يضربا بجناحيهما الممتلئين دماً بالقضبان، ويلتقيا، المنقاران ممتلئان دماً، الريش يضخّ دماً، والروح ممزقة إلى آلاف الآلام.
هنا
جسد كمثل الشهوة
لا غضب أملس ضارب في الأعماق
لا ارض قبالة الألم الذي يلتمع فيّ
كلما اجتزت الحنين
وصرت جزءا من إضلاعه
كلما قلبت اخضرار الجمر
وصرت لمعانه .
هنا يسقط الهواء على ماض قريب
فتستيقظ الشلالات من جهالتها الأبدية
ويبدأ السّر بأفعاله المضحكة
الكل هنا
نيام كالهواء ذاك
على مخدات حجرية مغموسة بالبرد ذاك .
مثل رشاقة الشعراء السوريالين
الذين عبرو روحك
وطوقوا نباتات عظامك
وضاءو الهواء الغريب في أنفاسك
وجعلوك أميرة بين قصيدة وأخرى
مثل صفاء الحجر
تخيلوك ثمرة الشعر الممنوحة عادة لأميرات الليل والرغبة .
ووجدوا فيك النقاء والرجس وصرت بلا خوف مرشدة الجحيم والإخلاص .
مثل رخاوة الصمت
وغطرسة الصوت
تفرجت على يد الحكمة وهي تقطع شريط الظلمة
وصفقت معهم _مع السوريالين _ صغار الموت
وهم يدحرجون الأرض نحو نهر اللذة
مثل الموت جميعاً
أنبتك الطيور الرقة وهي ترفرف عاليا عاليا بلغتها.
لا اذكر الطريق إلى جسمك
منذ متى وأنت بلا جسم
أين الحياة العابرة في كفك
والعمق الذي يدر الخوف والجمال من فمك.
لا اذكر
المكان الذي لمست فيه عينك
أية نغمة فولاذية كانت في طريقها إلى إذني
أية أنفاس كانت تدق بثقل أنفاسي المثقلة
لا اذكر
كيف تركت جسمك
دون أن أسد فجوات الألم
الذي احدثه جهازي المخلص لكل شاردة وواردة
من سفوحك .
سُمُّك الدموي هذا الذي أشربه يومياً، ويكسر أحلامي، ونومي كأنّما عقوبتي أتلذذها، وأنت تتكاسلين أن تفتحي يديكِ اليوم.
أنت غائبةُُ في صفيح كآبتي، وأتنفسك كأنما كنتِ لي صنماً في كهف عميق، كأنما كنتُ أقبّل صنماً،
كأنما كنتُ أحضن صنماً جائعاً، وكأنما أنا ميت على ساقيك المسيحيتين المضمختين بالصلبان، المضمختين بآلاف الرجال الذين غرقوا... عندك
وأنا جريحُُ أبدي،
أنتِ قفصُُ أبدي،
وقضبانك أبدية، وجسدك باردُُ ومخيفُُ، وقلبك باردُُ ومخيفُُ، ويلعنني في الصمت الأعمق، وأنا أبتهل إليك، كأنما كنتِ كنيسةً، أو محراباً من اللحم البشري.
لستِ حجراً،
لستِ طائراً،
أو نبتة كما كنت تسمّين نفسك،
أنتِ لبوة تفترس رأسي وقلبي. أنتِ أكلتِ قلبي... ثم استدرت، ولم تعرفيني.????
لأرى المدمنين على الحب، يحفرون حناجرهم بالقرب من الجسور، بالقرب من وحوش عزلة الكراسي والنباتات المزروعة تلقائياً هنا، أراهم مثلي يضحكون، أو يقرؤون خطوط جباههم التي اكتهلت قبل الأوان؛ يقرفصون هنا لآلاف الساعات، يدخنون الماضي، كأنّما ليسوا هم الذين أحبوا أمهاتهم بجنون، ثم أحبوا امرأة ما كان يجب أن يحبوها، أو كان يجب أن يرموا بأنفسهم في شهيق آخر، لكنهم فعلوا، لكنهم هكذا فرشوا مياه بواطنهم كمرآة ما، بغير خوف، وكانوا هكذا واسعين، ويشرقون، وكانوا هكذا غرباء، ويؤمنون بالضحية. قالوا نريد أن تعرفَ فينا النباتاتُ أسرارَها البشرية، البشر نريدهم أن يعرفوا جذورهم الشجرية، وقرابتهم إلى الطير، كانوا واسعين مثل سماء، بغير أن يزينوا قلوبهم بأي دواء، وصفاءٌ ما كان يرفرف على أيديهم، وهو يلوحون لغزالات دواخلهم أن ترعى في هذا الفضاء، مثل طفل أحبوا كل امرأة كانت تنظر إليهم ، وإذا ابتسمت إحداهنّ، كان غرامها يمزقهم لست سنوات طوال. نسوا أيديهم، ظنوها للتلويح والملامسة، وتقبيل الوجنات، نسوا عيونهم، ظنوها للترقب والترقرق في لحظات الحلم المخرب الجميل، وغنوا، ورقصوا بفمهم مثل ناي، ناموا وهم يتهامسون عن غد، عن شموع مرفرفة على الصور، كانوا شجعاناً كمثل فراشة، ربما ممتلئين بالخيال، مستعدين أن يختلقوا مائة شجار للدفاع عن مفهوم الوردة.
استيقظوا مبكرين جداً، أحياناً لينظروا في قلوبهم، صنعوا من أجفانهم صحوناً ملونة، ومن أصابعهم أوراقاً غائبةً، وتمددوا هكذا تحت الجسور، من يمر يحسبهم مأخوذين بطغيان المخدر وزبيبه، لكنهم يعرفون أنهم لن يستيقظوا أبداً، سيظلون ممددين وعيونهم مفتوحة، أياديهم مبسوطة وقلوبهم ملقاة هنا وهناك، عليها آثار غبرة ما، آثار كآبة لم يتصنعوها، إنما جاءت إليهم كضيف، هكذا، يلهج كل منهم باسم خاص به، يجده طائره، أو ربما أرضه، ربما بيته، ربما شيئا آخر غير هذه العزلة الفظيعة التي تمضغ قلوبهم، غير هذا الغبار البارد القليل الذي يملأ الآن جوانب روحهم، فلا يستطيعون النظر جيداً، إنهم علمُُ هناك، جمعهم شجرة قلوبهم ثورةُُ، غبارهم ماءُُ، عيونهم مرجُُ. كسالى قليلاً. لكنهم شبانٌ، لكنَّ أرجاء العالم كلِّه تدقُّ في بواطن أكفهم.
انهضوا أصدقائي.
????
تأخذينني وتجيئين بي إلى فمك الضعيف، كشمعة ونعيم، تتلونين بالغضب والحب، وأعرفك في غضبك كامرأة تحبني من عمقها، وفي الحب أيضاً أعرفك بجسدك المضيء، كغرفتك التي أشعلتها بالشموع ذات ليلة، ويلومونك، لأنهم لا يعرفونني، وأنت تلومينني لأنك تريدين أن تكوني في قميصي الليلي، بصمت تريدين أن تقضمي قلبي ورئتي، أن لا تبقي أية إلتفاتة لغيرك، في غضبك تصير اللحظات القليلة التي نملكها مستعبدة، وتصيرين سيدة في منتهى روحها، هل أشدّ على يد غضبك، وأقبّل فمك الجريح كثيراً كثيراً، وأصابعك التي تتوسل إليّ، حبك الذي يتوسل إلي، ولا أبالي به، كل منا يجري في زقاق؛ حبك الذي جرّحني بسكينه، وأنا الذي يقطر قلبي هنيهة هنيهة،
أنا السحابة التي حطت على يديك، وطلبتْ منك الماء والعشب، أنا الزهرة التي وضعت نفسها على شفتيك، وطلبت أن تقبليها، أنا وقتك الذي ترمينه في الكسل والنسيان، أنا الشارع الأبدي الذي يمر أمام أدراج منزلك، أنا الصحوة واللهو، أنا جسدك الأول والأخير، وحين تنامين، أنا الشمس التي وقفتْ في سريرك، ونامتْ سبعة أشهر على بطنك الألذ، أنا اليدان اللتان شدّتا الأزرار في قميصك الداخلي، وفي معطفك، وكنت ميتة من الابتسام والدهشة، أنا الذي شبهك بنفسه، ونام على يديك، واستيقظ على يديك، وجعلك شيئاً ما غامضاً يلهو بروحه، جعلك أدهى خسارة لنفسه، أنا من انشغل في مدّ وربط وحياكة كل هذه الأسرار، ووقف يتأمل، لم تعجبه كلها، كانت لا تناسب تماماً النار، فأشعل نفسه في أن يخسرك.
أنا الخارج للتو منك، لا يعجبك هذا بالتأكيد، أنت الخارجة مني للتو، لا يعجبك. أنت صيفُُ، أنت دراجة، أنت ورقة، أنت حبُُ، أنت شهوة، أنت طعام، أنت فاكهة.
أفتقد شفتيك بموت في هذه اللحظة، أفتقد بطنك وثدييك وظهرك بعظامه الظاهرة قليلاً، ساقيك البهيجين، ما تحت شفتيك، أنفك وأساه، غيوم وجنتيك وقدميك الفضيتين، أصابعك الخفيفة، أفتقد أن تقولي لي إنك تكرهينني، أو إنك لا يهمك كل هذا، أفتقدك كأني أُولد بدونك كل مرة، وكان ممكناً أن نولدَ سوية من بطن واحد، وروح شبيهة.
أفتقدك كأنك شمعة، أحرقت رقبتي، أحرقت أصابعي، وجعلتها شبيهة بالأحجار والنباتات، كأنك شمعةُُ أنارت صخبي وخوفي، وغنّتْ في سريري، وأدفأتني، أحرقت نفسها، وأحرقت قلبي في أسنانها، وأجدني هنا محترقاً بالتشبيهات التي أختلقها يومياً في سريري، وأجدني محترقاً جنب جسدك الذي كنتُ أحسبه ضعيفاً، وقلبكِ،
وأحتاج غطاء يُرمى على ماء جفوني،
وأحتاج رائحة الأزهار القديمة تنثر على كفي وجسدي الطويل،
وغمغمتك، وإستفاقتك صباحاً، وأحتاج جملة ما تذكرني أني عندك، وأن الهواء الذي نتقاسمه، هو الهواء الجميل الذي بقي في الغرفة من الليلة السابقة، أو من الشهر السابق، الهواء الذي مازالت ظلالُنا الماضية، ودهشتنا الماضية تتحرك فيه، وإقتراباتنا وحنيننا.
????
شاعران من سورية
عن جريدة الغاوون الشعرية العدد 22 كانون الاول2009
قصائد الهايكو
لاَ ضَجَر يَنْتَابُ نُدَفَ الثَّلْج
(قَصَائِد هَايْكُو)
- 1 -
فَقَطّ قَلِيلٌ مِنَ الرِّيح كَانَ يَكْفِي،
لِيُحِيلَ رَجُلَ الثَلْجِ هَذاَ،
إِلَى سَاقِيَّة.
- 2 -
طِفْلٌ يُفَكِّرُ فِي مِهْنَتِهِ فِي المُسْتَقْبَل:
أَيَصِيرُ صَيَّادَ سَمَكٍ
أَمْ كَرَزَةً مُزْهِرَةً؟
- 3 -
أَزْهَارُ الكَرَز بِالكَاد تَتَفَتَّح،
لاَ أَحَدَ يَنْتَبِه عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ،
لأَزْهَارِ الخِيَار الرَّفِيعَة.
- 4 -
العَنْكَبُوتُ مَيِّتٌ،
نَسِيجُهُ يَتَمَادَى فِي اصْطِيَاد
الحَشَرَات.
- 5 -
العَائِلَةُ نَمَتْ،
بِالإِضَافَةِ إِلَى المَوْلُودِ الجَدِيد،
عُشْبَتَانِ أَوْ ثَلاَث انْبَثَقَتْ عِنْدَ البَاب.
- 6 -
مَلْفُوظَةً بِفَوْضَى عَارِمَة
الأَصْدَافُ، مَا أَنْ تَصِل الرَّمْلَ
حَتَّى تَبْدُوا تَمَاماً فِي مَكَانِهَا.
- 7 -
غَسَقٌ،
مُوَيْجَاتٌ نَاعِمَة علَى المَاء.
بِمَ تَحْلُمُ الأَسْمَاك؟
- 8 -
الشَّابَّةُ العَاشِقَة
تُشَمِّرُ عَنْ فُسْتاَنِهَا كَيْ تَعْبُرَ
السَّاقِيَّة الجَافَّة.
- 9 -
حَصَاتَانِ فِي مَكَانِ العَيْنَيْنِ
رَجُلُ الثَّلْجِ يَتَأَمَّلُنِي
كَما لَوْ أنَّني غَيْر مَوْجُودٍ.
- 10 -
عَصَافِيرُ الدَّوْرِيِّ تَدْنُوا أَقْرَبَ
أَقْرَبَ حَتَّى
أُصْبِح وَاحِداً مِنْهاَ.
- 11 -
فِي حَدِيقَةِ المَعْبَد
حَرَكَةُ ذَهَابِ وَإِيَابِ النَّمْلِ
ومُسافِرٌ يَرْتِقُ جَوَارِبَهُ.
- 12 -
الرِّيحُ تُصْبِحُ مَرْئِيّة
بِتَحْرِيكِ الأَشْيَاء
وَالمَوْتُ، بِتَرْكِهَا مَكَانَهَا.
- 13 -
مُحَاذِياً النَّهْرَ
مُحَاذِياً خَريِرَ الماَءِ
سَأَصِلُ إِلَى مَكَانٍ ماَ.
- 14 -
بالشَّمْعَةِ أًلْتَلْفُظُ أَنْفَاسَهَا
أُشْعِلُ شَمْعَةً أُخْرَى،
نَخْرَسُ ثَلَاثَتُنَا.
- 15 -
وِلَادَةٌ
مَوْتٌ
أَ ثَمَّةَ شَيْء ثَالِثٌ لِنَفْعَلَه؟
- 16 -
أَيُّهَا الحُبَاحِبُ فِي قَعْرِ يَدِي
هَلْ سَأَلْمَعُ مِثْلَكَ بَيْنَ أَصَابِعِ
بُوذَا؟
- 17 -
بَرَاعِمُ أَزْهَارٍ تَسَّاقَطُ
كَيْمَا تُؤْنِسَ
قَوْقَعَةَ حَلَزُونٍ فَارِغَةٍ.
- 18 -
أَوائِلُ الخَرِيف،
فَقَط حَسَاءٌ،
كَرَفِيقٍ قَدِيم.
- 19 -
غَافِياً عَلَى الشَّاطِئِ،
الرَّجُلُ أَلْتُلاَمِسُ الأَمْوَاجُ رِجْلَيْهِ،
يَحْلُمُ بِأَنَّهُ مُسَافِر.
- 20 -
كُلُّ أَوْرَاقِهَا مَنْثُورَة عَلَى الأَرْضِ
الشَّجَرَةُ تَحْلُمُ مِنْ جَدِيدٍ
بِشَسَاعَةِ السَّمَاءِ.
- 21 -
مُجَمَّدَةً بِالبَرْدِ
الفَزَّاعَةُ التي صَادَفْتُهَا
تَحْسُدُنِي عَلَى حِذَائِي.
- 22 -
تَعَارِيقُ* وَرَقَةِ شَجَرٍ،
مُتَرَدِّدَة بَيْنَ دَرْبَيْن
قَطْرَةُ نَدَى.
* زخارف ناتئة كالعروق في أوراق الأشجار.
- 23 -
هَالَةُ الشِّتَاءِ،
صَرْخَةُ الغُرَابِ،
ثَمَّةَ تَشَابُهٌ مَا.
- 24 -
كُلُّ شَيْءٍ جَدِيد
اليَومَ
حَتَّى هَذَا الكَلْب العَجُوز.
- 25 -
يَسَّاقَطُ الثَّلْجُ
يَسَّاقَط الثَّلْج
وَلاَ ضَجَر يَنْتَابُ نُدَفَ الثَّلْجِ.
جَسَدُنَا مُصَاغٌ بِغُبَارِ الأَنْجُمِ
(شَذَرَات)
- 1 -
مُذْ يَسْتَيْقِظُ
السِّنْجَابُ
يَقْفِزُ
مِنْ شَجَرَةٍ
إِلَى شَجَرَة
لِيُذَكِّرَهَا
بِأَنَّهَا غَابَة.
- 2 -
لَوْ تَطِيرُ
كُلُّ العَصَافِيرِ
فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ
لَشَعَرَتِ الأَرْضُ
فَجْأَةً
بِأَنَّهَا
ثقيلةٌ جدّاً.
- 3 -
أُمُّ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِين
مُتَرَدِّدَةٌ
أَمَامَ
قَطْرَةِ نَدَى،
الكَثِيرُ
وَالكَثِيرُ
مِنَ التَأَنِّي
لِعُبُورِ
جَزِيرَةِ
شَفَافِيَّةٍ.
- 4 -
أُبْذُلْ أُبْذُلْ
أَكْثَرَ فأَكْثَر
لِأَنَّكَ
هُنَاكَ
فِي الأَرْضِ الضَيِّقَةِ
أَوْ الشَّاسِعَةِ
لِبَذْلِكَ
سَتَقْضِي
بَقِيَّةَ
حَيَاتِكَ.
- 5 -
ظِلُّ شَجَرَةِ التُّوتِ
مَقْرُوضٌ
بِظِلِّ الأَسَارِيعِ
مَع
كُلِّ
قَضْمَةٍ
يَتَسَرَّبُ الضَّوْءُ.
- 6 -
الحِرْبَاءُ
تَتَرَبَّصُ
بِطَرَائِدِهَا
مُتَقَمِّصَةً
لَوْنَ
عُزْلَتِهَا.
- 7 -
مَقْلُوعاً مِنَ الأرْضِ
مِنْ قِبَلِ النَّسْرِ،
الخُلْدُ
بِعَيْنَيْنِ مُغْمَضَتَيْنِ
يُتَابِعُ
حَفْرَ مَمَرَّاتٍ
فِي الفَرَاغِ.
- 8 -
فِي غَابَةِ خِبْرَاتِنَا
الأشْجَارُ
تُشْبِهُنَا
وَلَكِنْ
وَحْدَهُ
الفَرَاغُ
يَسْمَحُ لنَا
بالتَّنَزُّهِ
خِلاَلَ
مَا يُشْبِهُنَا.
- 9 -
أَبْقَارٌ هَادِئَةٌ
تَعْبُرُ النَّهْرَ
عَلَى مَتْنِ مِعْبَرٍ،
أَنْقَلِيسٌ مَذْعُورٌ
يَتَمَوَّجُ
وَسْطَ
العُشْبِ الكَثِيفِ.
كُلُّ كَائِنٍ
يَنْكَشِفُ
فِي اللَّحْظَة
التِي
يَجْتَازُ فِيهَا
التُّخُوم.
- 10 -
الجَهْلُ مُنَفِّرٌ
الوَهْمُ مَرِيرٌ
القَنَاعَاتُ مُسَكَّرَةٌ
أَمَّا الحَقِيقَةُ
فَبِلاَ طَعْم
إِنَّهَا
قُدْرَتُنَا
نَفْسُهَا
عَلَى التَّذَوُّقِ.
- 11 -
رُوحُ الإِنْسَانِيَةِ
لاَ تَتَوَقَّفُ
عَنِ الدَّحْصِ،
مَعْ بَقَائِهَا مُسْتَكينَة.
حُضْنَةُ دَثِيمَة ٍ(1)
وَنَسْرٌ
يَتَرَبَّصُ بِهَا.
- 12 -
حَرْشَفَةُ
الأَسْمَاكِ
الأَكْثَرَ
انْزِلاَقاً
هِيَ
الصَّمْتُ.
- 13 -
أَضْأَلُ شَرَارَةِ قَمَرٍ
فِي عَيْنِ بُومَةٍ صَمْعَاءَ
يَرَى
أَبْعَدَ
مِنْ خُرْطُونٍ
تَحْتَ شَمْسِ الظَّهِيرَة.
- 14 -
مَهْمَا رَأَتْ أَبْعَدَ
العَيْنُ
تَظَلُّ
خَادِمَةَ
اليَدِ،
لِكُلِّ نَظْرَةٍ
لَمْسَتُهَا.
النَّظْرَةُ
قَدْ تَكُونُ
عَطِيَّةً
أَوْ نَهْباً،
صَفْعَةً
أَوْ مُدَاعَبَةً،
العَمَى الحَقِيقِي
هُوَ
أَنْ نَرَى
دُونَ
أَنْ نَنْذر
أَنْفُسَنَا.
- 15 -
كَمَا تُرْدِي بُرَادَةُ الحَدِيدِ
حَقْلَ المَغْنَاطِيسِ جَلِيًّا
حَواشِينَا الهُلاَمِيَّة
المُنَغَّمَة
تَفْضَحُ
تَمَغْنُطَ
قُلُوبِنَا.
- 16 -
لِأَنَّنَا نَعْتَقِدُ
أَنّنا ذَرَّة رَمْلٍ،
فَإِنّنا
لا نَكُفُّ
عَنِ اخْتِرَاعِ
آلاَتٍ جديدة
لِطَحْنِ
اللاَّنِهَائِيّ.
- 17 -
مِنْ طَبِيعَة الكَوْن
أَنْ يَسْمَحَ لَناَ
بِأَنْ نكونَ عَبْرَهُ
مَا نَسْمَحُ لَهُ
بِأَنْ يَكُونَ
خِلاَلَنَا.
- 18 -
جَسَدُنَا
مُصَاغٌ
بِغُبَارِ
الأَنْجُم،
كُلُّ مَا نُلْحِقُهُ
بِأَجْسَادِنَا
نُلْحِقُهُ
بِالكَوْنِ.
- 19 -
الوَجْهُ
الذي
يُشْبِهُنَا
أَكْثَرَ،
هُوَ الذي
يَجْذِبُنَا
أَكْثَر.
- 20 -
الكَلَامُ
البَشَرِيُّ
وُلِدَ
مِنَ الزَّوَاجِ
المُسْتَحِيلِ
بَيْنَ
صَرْخَةِ
الوَحْشِ
وَغِنَاءِ
العصافير.
- 21 -
مُطَارَدَةً
مِنْ قِبَلِ الوُحُوشِ
الغِزْلاَنُ
تُضَحِّي
بِالأَضْعَفِ ضِمْنَهَا
كَيْ تَسْتَمِرَّ
فِي الاِعْتِقَادِ
بِخُلُودِ
القَطِيع.
- 22 -
الكَمَالُ
يَنْتَمي
إِلَى
هَذاَ
العَالَمِ
إِنَّناَ
نَحْنُ
مَنْ لَمْ
نَنْتَمِ
إِلَيْهِ
بَعْدُ.
(قَصَائِد هَايْكُو)
- 1 -
فَقَطّ قَلِيلٌ مِنَ الرِّيح كَانَ يَكْفِي،
لِيُحِيلَ رَجُلَ الثَلْجِ هَذاَ،
إِلَى سَاقِيَّة.
- 2 -
طِفْلٌ يُفَكِّرُ فِي مِهْنَتِهِ فِي المُسْتَقْبَل:
أَيَصِيرُ صَيَّادَ سَمَكٍ
أَمْ كَرَزَةً مُزْهِرَةً؟
- 3 -
أَزْهَارُ الكَرَز بِالكَاد تَتَفَتَّح،
لاَ أَحَدَ يَنْتَبِه عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ،
لأَزْهَارِ الخِيَار الرَّفِيعَة.
- 4 -
العَنْكَبُوتُ مَيِّتٌ،
نَسِيجُهُ يَتَمَادَى فِي اصْطِيَاد
الحَشَرَات.
- 5 -
العَائِلَةُ نَمَتْ،
بِالإِضَافَةِ إِلَى المَوْلُودِ الجَدِيد،
عُشْبَتَانِ أَوْ ثَلاَث انْبَثَقَتْ عِنْدَ البَاب.
- 6 -
مَلْفُوظَةً بِفَوْضَى عَارِمَة
الأَصْدَافُ، مَا أَنْ تَصِل الرَّمْلَ
حَتَّى تَبْدُوا تَمَاماً فِي مَكَانِهَا.
- 7 -
غَسَقٌ،
مُوَيْجَاتٌ نَاعِمَة علَى المَاء.
بِمَ تَحْلُمُ الأَسْمَاك؟
- 8 -
الشَّابَّةُ العَاشِقَة
تُشَمِّرُ عَنْ فُسْتاَنِهَا كَيْ تَعْبُرَ
السَّاقِيَّة الجَافَّة.
- 9 -
حَصَاتَانِ فِي مَكَانِ العَيْنَيْنِ
رَجُلُ الثَّلْجِ يَتَأَمَّلُنِي
كَما لَوْ أنَّني غَيْر مَوْجُودٍ.
- 10 -
عَصَافِيرُ الدَّوْرِيِّ تَدْنُوا أَقْرَبَ
أَقْرَبَ حَتَّى
أُصْبِح وَاحِداً مِنْهاَ.
- 11 -
فِي حَدِيقَةِ المَعْبَد
حَرَكَةُ ذَهَابِ وَإِيَابِ النَّمْلِ
ومُسافِرٌ يَرْتِقُ جَوَارِبَهُ.
- 12 -
الرِّيحُ تُصْبِحُ مَرْئِيّة
بِتَحْرِيكِ الأَشْيَاء
وَالمَوْتُ، بِتَرْكِهَا مَكَانَهَا.
- 13 -
مُحَاذِياً النَّهْرَ
مُحَاذِياً خَريِرَ الماَءِ
سَأَصِلُ إِلَى مَكَانٍ ماَ.
- 14 -
بالشَّمْعَةِ أًلْتَلْفُظُ أَنْفَاسَهَا
أُشْعِلُ شَمْعَةً أُخْرَى،
نَخْرَسُ ثَلَاثَتُنَا.
- 15 -
وِلَادَةٌ
مَوْتٌ
أَ ثَمَّةَ شَيْء ثَالِثٌ لِنَفْعَلَه؟
- 16 -
أَيُّهَا الحُبَاحِبُ فِي قَعْرِ يَدِي
هَلْ سَأَلْمَعُ مِثْلَكَ بَيْنَ أَصَابِعِ
بُوذَا؟
- 17 -
بَرَاعِمُ أَزْهَارٍ تَسَّاقَطُ
كَيْمَا تُؤْنِسَ
قَوْقَعَةَ حَلَزُونٍ فَارِغَةٍ.
- 18 -
أَوائِلُ الخَرِيف،
فَقَط حَسَاءٌ،
كَرَفِيقٍ قَدِيم.
- 19 -
غَافِياً عَلَى الشَّاطِئِ،
الرَّجُلُ أَلْتُلاَمِسُ الأَمْوَاجُ رِجْلَيْهِ،
يَحْلُمُ بِأَنَّهُ مُسَافِر.
- 20 -
كُلُّ أَوْرَاقِهَا مَنْثُورَة عَلَى الأَرْضِ
الشَّجَرَةُ تَحْلُمُ مِنْ جَدِيدٍ
بِشَسَاعَةِ السَّمَاءِ.
- 21 -
مُجَمَّدَةً بِالبَرْدِ
الفَزَّاعَةُ التي صَادَفْتُهَا
تَحْسُدُنِي عَلَى حِذَائِي.
- 22 -
تَعَارِيقُ* وَرَقَةِ شَجَرٍ،
مُتَرَدِّدَة بَيْنَ دَرْبَيْن
قَطْرَةُ نَدَى.
* زخارف ناتئة كالعروق في أوراق الأشجار.
- 23 -
هَالَةُ الشِّتَاءِ،
صَرْخَةُ الغُرَابِ،
ثَمَّةَ تَشَابُهٌ مَا.
- 24 -
كُلُّ شَيْءٍ جَدِيد
اليَومَ
حَتَّى هَذَا الكَلْب العَجُوز.
- 25 -
يَسَّاقَطُ الثَّلْجُ
يَسَّاقَط الثَّلْج
وَلاَ ضَجَر يَنْتَابُ نُدَفَ الثَّلْجِ.
جَسَدُنَا مُصَاغٌ بِغُبَارِ الأَنْجُمِ
(شَذَرَات)
- 1 -
مُذْ يَسْتَيْقِظُ
السِّنْجَابُ
يَقْفِزُ
مِنْ شَجَرَةٍ
إِلَى شَجَرَة
لِيُذَكِّرَهَا
بِأَنَّهَا غَابَة.
- 2 -
لَوْ تَطِيرُ
كُلُّ العَصَافِيرِ
فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ
لَشَعَرَتِ الأَرْضُ
فَجْأَةً
بِأَنَّهَا
ثقيلةٌ جدّاً.
- 3 -
أُمُّ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِين
مُتَرَدِّدَةٌ
أَمَامَ
قَطْرَةِ نَدَى،
الكَثِيرُ
وَالكَثِيرُ
مِنَ التَأَنِّي
لِعُبُورِ
جَزِيرَةِ
شَفَافِيَّةٍ.
- 4 -
أُبْذُلْ أُبْذُلْ
أَكْثَرَ فأَكْثَر
لِأَنَّكَ
هُنَاكَ
فِي الأَرْضِ الضَيِّقَةِ
أَوْ الشَّاسِعَةِ
لِبَذْلِكَ
سَتَقْضِي
بَقِيَّةَ
حَيَاتِكَ.
- 5 -
ظِلُّ شَجَرَةِ التُّوتِ
مَقْرُوضٌ
بِظِلِّ الأَسَارِيعِ
مَع
كُلِّ
قَضْمَةٍ
يَتَسَرَّبُ الضَّوْءُ.
- 6 -
الحِرْبَاءُ
تَتَرَبَّصُ
بِطَرَائِدِهَا
مُتَقَمِّصَةً
لَوْنَ
عُزْلَتِهَا.
- 7 -
مَقْلُوعاً مِنَ الأرْضِ
مِنْ قِبَلِ النَّسْرِ،
الخُلْدُ
بِعَيْنَيْنِ مُغْمَضَتَيْنِ
يُتَابِعُ
حَفْرَ مَمَرَّاتٍ
فِي الفَرَاغِ.
- 8 -
فِي غَابَةِ خِبْرَاتِنَا
الأشْجَارُ
تُشْبِهُنَا
وَلَكِنْ
وَحْدَهُ
الفَرَاغُ
يَسْمَحُ لنَا
بالتَّنَزُّهِ
خِلاَلَ
مَا يُشْبِهُنَا.
- 9 -
أَبْقَارٌ هَادِئَةٌ
تَعْبُرُ النَّهْرَ
عَلَى مَتْنِ مِعْبَرٍ،
أَنْقَلِيسٌ مَذْعُورٌ
يَتَمَوَّجُ
وَسْطَ
العُشْبِ الكَثِيفِ.
كُلُّ كَائِنٍ
يَنْكَشِفُ
فِي اللَّحْظَة
التِي
يَجْتَازُ فِيهَا
التُّخُوم.
- 10 -
الجَهْلُ مُنَفِّرٌ
الوَهْمُ مَرِيرٌ
القَنَاعَاتُ مُسَكَّرَةٌ
أَمَّا الحَقِيقَةُ
فَبِلاَ طَعْم
إِنَّهَا
قُدْرَتُنَا
نَفْسُهَا
عَلَى التَّذَوُّقِ.
- 11 -
رُوحُ الإِنْسَانِيَةِ
لاَ تَتَوَقَّفُ
عَنِ الدَّحْصِ،
مَعْ بَقَائِهَا مُسْتَكينَة.
حُضْنَةُ دَثِيمَة ٍ(1)
وَنَسْرٌ
يَتَرَبَّصُ بِهَا.
- 12 -
حَرْشَفَةُ
الأَسْمَاكِ
الأَكْثَرَ
انْزِلاَقاً
هِيَ
الصَّمْتُ.
- 13 -
أَضْأَلُ شَرَارَةِ قَمَرٍ
فِي عَيْنِ بُومَةٍ صَمْعَاءَ
يَرَى
أَبْعَدَ
مِنْ خُرْطُونٍ
تَحْتَ شَمْسِ الظَّهِيرَة.
- 14 -
مَهْمَا رَأَتْ أَبْعَدَ
العَيْنُ
تَظَلُّ
خَادِمَةَ
اليَدِ،
لِكُلِّ نَظْرَةٍ
لَمْسَتُهَا.
النَّظْرَةُ
قَدْ تَكُونُ
عَطِيَّةً
أَوْ نَهْباً،
صَفْعَةً
أَوْ مُدَاعَبَةً،
العَمَى الحَقِيقِي
هُوَ
أَنْ نَرَى
دُونَ
أَنْ نَنْذر
أَنْفُسَنَا.
- 15 -
كَمَا تُرْدِي بُرَادَةُ الحَدِيدِ
حَقْلَ المَغْنَاطِيسِ جَلِيًّا
حَواشِينَا الهُلاَمِيَّة
المُنَغَّمَة
تَفْضَحُ
تَمَغْنُطَ
قُلُوبِنَا.
- 16 -
لِأَنَّنَا نَعْتَقِدُ
أَنّنا ذَرَّة رَمْلٍ،
فَإِنّنا
لا نَكُفُّ
عَنِ اخْتِرَاعِ
آلاَتٍ جديدة
لِطَحْنِ
اللاَّنِهَائِيّ.
- 17 -
مِنْ طَبِيعَة الكَوْن
أَنْ يَسْمَحَ لَناَ
بِأَنْ نكونَ عَبْرَهُ
مَا نَسْمَحُ لَهُ
بِأَنْ يَكُونَ
خِلاَلَنَا.
- 18 -
جَسَدُنَا
مُصَاغٌ
بِغُبَارِ
الأَنْجُم،
كُلُّ مَا نُلْحِقُهُ
بِأَجْسَادِنَا
نُلْحِقُهُ
بِالكَوْنِ.
- 19 -
الوَجْهُ
الذي
يُشْبِهُنَا
أَكْثَرَ،
هُوَ الذي
يَجْذِبُنَا
أَكْثَر.
- 20 -
الكَلَامُ
البَشَرِيُّ
وُلِدَ
مِنَ الزَّوَاجِ
المُسْتَحِيلِ
بَيْنَ
صَرْخَةِ
الوَحْشِ
وَغِنَاءِ
العصافير.
- 21 -
مُطَارَدَةً
مِنْ قِبَلِ الوُحُوشِ
الغِزْلاَنُ
تُضَحِّي
بِالأَضْعَفِ ضِمْنَهَا
كَيْ تَسْتَمِرَّ
فِي الاِعْتِقَادِ
بِخُلُودِ
القَطِيع.
- 22 -
الكَمَالُ
يَنْتَمي
إِلَى
هَذاَ
العَالَمِ
إِنَّناَ
نَحْنُ
مَنْ لَمْ
نَنْتَمِ
إِلَيْهِ
بَعْدُ.
الخميس، 31 ديسمبر 2009
نص
كزجاج جسدك
إبراهيم حسو
1
لنتداخل في البعض
نصبح مثل قبعة شرطي
لنتنافس من اجل وردة
من اجل نهر خرب
2
ما أن تحطم وجهي على وجهك
حتى اندلعت حروب كثيرة
في كل شوارع جسدينا .
3
وجهك محطم أيضًا
كما المضي عاريًا بين الزجاج المُكسر
وجهك خرب
كما أوقاتي الذي يديرها غيري دون أن أحس
وجهك على وجهي
كما يتطابق العالم في كتاب حب .
4
تستطيعين أن تقولي كل ما في حنجرتك
و تصرخين بكل ما في فمي
ألا تعرفين انك فمي
منذ إن تحطم وجهينا على البعض
عندما جاء وقت الزجاج و انكسر على البلاط
و تقطع الكلام حرفاً تلو حرف
و تمزق قرط من أقراطك دون أن تحسي
بعد أن شبت نار صغيرة , صغيرة جدا بحنجرتينا .
5
جدارٌ بحجم جسد
و جسٌد بحجم صورة فوتوغرافية
الأشياء تتطابق مع نفسها من جديد
و الجسد الذي يشبه الجدار
انزلق فجأة في الجدار .
6
تفاحةٌ بيضاء
تملأ عيني
قميص مكوّي نادر في الخزانة
قرآن صغير كذلك يملئ القلب و يفرغه
كل الأشياء بدت متوهجة هذه الليلة
وأنا أفتش عن تفاحة صدرك في خزانة الأغراض التالفة .
5
سأملئ رأسك برأسي
كما سنعلق معاً علماً أبيضاً
على شاطئ أبيض لا يرى بالعين المجردة .
6
أنت تفضلين القصيدة على الخبز
و أنا أفضل الدم على القصيدة
كلانا مخطئان و سعيدان بهذا الخطأ .
7
عندما غرقت
تركت لك أصابعي
و هي تتشبث بصورة لك
و أنت عارية و غرقة .
8
ستبقى آثار يدي ماثلة على يدك
سنفترق كالشاطئ ذاك
لأسّمع الأصداف صوتي
بأن تنغلق كل مساء
لحين أموت .
9
حزين كالزجاج
حين يرتطم بالدم المبعثر
مضطرب كاللون الأحمر
كالحياة العبثية المارقة
حزين كحبات الليل في سماء لا تضئ و لا تثير نجوماً فيّ .
10
يقولون عنك
ضعيفة و هزيلة كقصيدة عن الحب و الجنون
يقولون انك سريعة الغضب و هادئة كقصيدة عن البحر .
و أنا أتفرج على جنونك و هدوئك
يثور فيّ شوق ما إلى تقليد ضعفك دون ندم .
11
لا استطيع أن انظر إلى حركة شفتيك
و هي تحاول أن تغرق في اسمي .
12
و مع ذلك لن أنسى مصباح وجهك المتهدم
الذي أضاء شفتي في زاوية ما من قصيدة شعرية .
إبراهيم حسو
1
لنتداخل في البعض
نصبح مثل قبعة شرطي
لنتنافس من اجل وردة
من اجل نهر خرب
2
ما أن تحطم وجهي على وجهك
حتى اندلعت حروب كثيرة
في كل شوارع جسدينا .
3
وجهك محطم أيضًا
كما المضي عاريًا بين الزجاج المُكسر
وجهك خرب
كما أوقاتي الذي يديرها غيري دون أن أحس
وجهك على وجهي
كما يتطابق العالم في كتاب حب .
4
تستطيعين أن تقولي كل ما في حنجرتك
و تصرخين بكل ما في فمي
ألا تعرفين انك فمي
منذ إن تحطم وجهينا على البعض
عندما جاء وقت الزجاج و انكسر على البلاط
و تقطع الكلام حرفاً تلو حرف
و تمزق قرط من أقراطك دون أن تحسي
بعد أن شبت نار صغيرة , صغيرة جدا بحنجرتينا .
5
جدارٌ بحجم جسد
و جسٌد بحجم صورة فوتوغرافية
الأشياء تتطابق مع نفسها من جديد
و الجسد الذي يشبه الجدار
انزلق فجأة في الجدار .
6
تفاحةٌ بيضاء
تملأ عيني
قميص مكوّي نادر في الخزانة
قرآن صغير كذلك يملئ القلب و يفرغه
كل الأشياء بدت متوهجة هذه الليلة
وأنا أفتش عن تفاحة صدرك في خزانة الأغراض التالفة .
5
سأملئ رأسك برأسي
كما سنعلق معاً علماً أبيضاً
على شاطئ أبيض لا يرى بالعين المجردة .
6
أنت تفضلين القصيدة على الخبز
و أنا أفضل الدم على القصيدة
كلانا مخطئان و سعيدان بهذا الخطأ .
7
عندما غرقت
تركت لك أصابعي
و هي تتشبث بصورة لك
و أنت عارية و غرقة .
8
ستبقى آثار يدي ماثلة على يدك
سنفترق كالشاطئ ذاك
لأسّمع الأصداف صوتي
بأن تنغلق كل مساء
لحين أموت .
9
حزين كالزجاج
حين يرتطم بالدم المبعثر
مضطرب كاللون الأحمر
كالحياة العبثية المارقة
حزين كحبات الليل في سماء لا تضئ و لا تثير نجوماً فيّ .
10
يقولون عنك
ضعيفة و هزيلة كقصيدة عن الحب و الجنون
يقولون انك سريعة الغضب و هادئة كقصيدة عن البحر .
و أنا أتفرج على جنونك و هدوئك
يثور فيّ شوق ما إلى تقليد ضعفك دون ندم .
11
لا استطيع أن انظر إلى حركة شفتيك
و هي تحاول أن تغرق في اسمي .
12
و مع ذلك لن أنسى مصباح وجهك المتهدم
الذي أضاء شفتي في زاوية ما من قصيدة شعرية .
مقال عن عارف حمزة
صور تستوطن طويلاً الذاكرة والجسد
جهاد الترك
خمسة وعشرون نصاً متفاوتاً في الحجم وكثافة الرؤية، يخيّل إلينا أنها وُضعت على عجل قبل أن تيبس الذاكرة أو يخفت بريق الألم المتكدس في زواياها. والأرجح أن التوتر الصاخب الذي يحاصر الكتاب من أدناه الى أقصاه يكاد يشكل إيقاعاً محبّباً يشدّ النصوص بعضها الى بعضها الآخر على نحو من استنفار كامل للأعصاب. ومع ذلك، فإن الصور التي يزدحم بها فضاء التعبير لا توحي بالضرورة بأن صاحبها يفرج عنها أو يطلقها في الوقت المناسب ليحمل الذاكرة على التخفيف من أعبائها الثقيلة. ثمة توجه ملحوظ، في هذا السياق، يبعث على الاعتقاد بإقدام الشاعر على الاحتكام الى مشاهده المتكاثرة في النصوص وفقاً للأمكنة والأزمنة عينها التي وُلدت فيها الصور وأقامت طويلاً في الجسد وفي الذاكرة على حدّ سواء. من هنا، هذا التشبث بالأسباب والوقائع والظروف التي أحالها الشاعر دلالات على مستوى الرؤية الى الذات والأشياء والعالم بأسره. يخرج الشاعر من حين الى آخر من المكان والزمان المتجمدين في صمت اللحظة الماضية. يفعل ذلك، على الأغلب، بدافع من حاجة الرؤية الى تجاوز اللحظة الراهنة المغرقة في الشروط المجحفة للزمان والمكان. نراه ينصاع الى هذه النزعة المتأصلة في غريزة الشعر على حساب الواقع المتأصل في غريزة الموت، المتسلل الى متاهة الرتابة، المحاصر في دوامة القلق العقيم. كلما استسلم لهذا التوجه استفاقت نصوصه على إيقاع الزمن الشعري وتضاءل، في الوقت عينه، الزمن الواقعي الى حدوده القصوى.
القسوة الغامضة
قد تبدو هذه القراءة أولية، بشكل أو بآخر، في نصوص الشاعر عارف حمزة الصادرة عن “دار النهضة العربية” في بيروت في كتاب بعنوان “الكناري الميت منذ يومين”. يوظف فيها هواجس عميقة مبعثها المعاناة المؤلمة والتجربة الدامية، إذا صح التعبير، لصوغ أنماط من الصور مفتوحة على القسوة الغامضة التي كان تعرّض لها في حياته العملية. نلحظ هذا التوظيف المرهف في سائر النصوص على الأغلب. وقد لا يغيب هذا الهم الدفين في مساحات الحواس حتى عن تلك النصوص التي تبتعد قليلاً أو كثيراً عن المعاناة المذكورة. يستعيد في صوره جزءاً يسيراً من تلك المساحة من الذاكرة التي كونت عالمه المتحول في تلك الإثناء. يستخدمها على نحو من إعادة إطلاقها من أسر اللحظة نحو زمنها الكلي إذا صحّ القول. وكأنها لعنة دائمة لا تبارحه أبداً. والأرجح أن الأمر كذلك باعتبارها الحافز الأهم على تشكيل ذاكرته الشعرية. ولربما بدت هذه الميزة ضرورية في تكوين فضاء الكتاب بحيث لا يعود ثمة فارق بين هذه “اللعنة” ومشروعه الشعري.
على إيقاع هذا التدفق التلقائي للأزمنة والأمكنة من الماضي الواقعي الى خزان الذاكرة ومن ثم الى الذاكرة في رؤيتها الحالية، يضع عارف حمزة نصوصه التي قلما تستبعد عن تفاصيلها مشاهد المعاناة التي صنعت من الشاعر إنساناً آخر. والأرجح أن ثمة ما يوحي، في هذه النصوص، بأن مادتها الشعرية، في طبيعة تكوينها إنما تعزى الى ذلك الانسجام الحقيقي بين الشاعر من جهة وتلك الأجواء النابعة من الجحيم الذي انفتحت بواباته دفعة واحدة، على الشاعر. ليس في هذا التصور ما يفيد بأنه وجد ضالته الشعرية المنشودة في تلك التجربة من الأهوال السياسية والعسكرية التي أفضت به الى أن يصبح مسكوناً بما يزعم أنه هزيمة للإنسان العربي. أو ذلك الإحساس الجارف بالمرارة لما تكبده الوطن العربي من إحباط مروع نتيجة لأحلامه المجهضة بالخوف المتعمّد والترهيب المسبق بأن الزمن الراهن والمقبل أصبح مرادفاً للموت المجاني والخسائر الفادحة. الأغلب أننا لا نعثر على شيء من هذا القبيل، بمعنىأن الشاعر لا يستظل تجربته القاسية هذه ولا يستخدمها ذريعة سهلة ليفتح نصوصه على فضاءات شعرية متألقة.
السكينة واللحظة
على النقيض من ذلك، يستدرج عارف حمزة الى لغته تقنيات في الكتابة الشعرية هي أقرب الى التداعيات الناتجة عن تجربته القاسية. تتشكل مفرداته، في هذا الإطار، في بؤرة واسعة من السكينة التي راكمتها في الذاكرة تلك السنوات التي خدمت فيها جذوة اللحظة المشتعلة. غير أنها احتفظت، على الأرجح، بتلك التشققات والتصدعات التي أصابت الروح فأصبحت ظلاً لها. ومع ذلك، لا يجد الشاعر مفراً من الانسياب الى تلك الظلال ليعيد تكوينها على النحو الذي يستجيب مع الهدوء الذي راح يخيم على الذاكرة. ولربما يجدر التساؤل، في هذا السياق، عن الدور الذي تؤديه السكينة في عملية تطور الزمن الشعري لنصوص الكتاب. الأغلب أن ليس ثمة غياب يبعث على الاعتقاد بأن الشاعر يختاره طوعاً ليقيم تسوية تهدئ من غلواء تجربته المؤلمة. ولو كان الأمر كذلك، لاستخدم لغة تحيل تفاصيل هذه التجربة المريرة أشباحاً باهتة لا إسم لها ولا شكل ولا رائحة. لا يميل الى ابتكار هذا النوع من الظلال التي تفكك الأشياء والوقائع الى مكوّناتها الأولى حتى لا تغدو نصاً مقروءاً، أو نصاً مادياً قائماً في منظومة الأشياء الماثلة في الحياة اليومية. والأغلب أن لا رغبة لديه في تفكيك هذه المشاهد ليخلع عنها هويتها الملازمة لها كما كانت في الأساس وكما ستبقى على الدوام. بدلاً من ذلك، نراه يعكف على تسوية من نوع آخر إذا جاز القول، تتمثل في استعادة التداعيات التي حفرتها هذه التجربة في عمق الذاكرة تمهيداً لنقلها الى فضاء النصوص على نحو يجمع بين آنية اللحظة، من جهة، وظلالها من جهة أخرى. والأرجح أن لا الظلال تطغى على اللحظة، ولا هذه الأخيرة تطغى على الأولى. والقاسم المشترك بين الإثنتين تلك السكينة التي تتيح للشاعر هامشاً واسعاً من التأمل في ما أحدثته التصدعات في الروح من تحولات عميقة في الذاكرة الشعرية.
نصوص متوترة في طبيعتها المشهدية وصورها، لا يتلاشى فيها الواقع وأن استحال رموزاً ودلالات على حجم الخوف والقلق العميق المستوطن في الذاكرة. كلما تعاظمت مشاهد الرعب وانتقلت الى فضاء النص، ازدادت حاجة الشاعر الى جرعة إضافية من التأمل والهدوء لاستيعابها وإعادة تشكيلها بمفردات من جنسها على الأغلب. رؤية لا تثور على النص ولا تستبعده من الزمن الشعري استجابة لمزاج في الكتابة لا يرى في الظلال سبباً وحيداً لإعادة تشكيل العالم.
مختارات
نصوص متفرقة من الكتاب:
كنتُ
أخافُ
من النجاة
كنتُ أخاف من الأمل الغامض
فشاركت
في كل الحروب
وكلما كنتُ أُقتَل
كنت أنهض
لأُقتَل
من جديد.
مغادراً بلدي
بحذاء في رئتي
بحذاء في عيني
بحذاء في قلبي
وهناك
في البلد الغريب
سأتسول عيناً ترى الحياة التي فقدتها
سأتسول الأيدي
الأقدام
الكلى
وحتى
حباً بالعائلة
مرض السلّ القديم
نموتُ
موتاً
بطيئاً
في الطبعة
الشعبية
للحياة
بالقلب المعطوب
بالأمل
بالسرطان
بالصمت
وبداء البُعاد..
نموتُ..
لن نراهم
بعد اليوم..
المستقبل
Share and Enjoy:
جهاد الترك
خمسة وعشرون نصاً متفاوتاً في الحجم وكثافة الرؤية، يخيّل إلينا أنها وُضعت على عجل قبل أن تيبس الذاكرة أو يخفت بريق الألم المتكدس في زواياها. والأرجح أن التوتر الصاخب الذي يحاصر الكتاب من أدناه الى أقصاه يكاد يشكل إيقاعاً محبّباً يشدّ النصوص بعضها الى بعضها الآخر على نحو من استنفار كامل للأعصاب. ومع ذلك، فإن الصور التي يزدحم بها فضاء التعبير لا توحي بالضرورة بأن صاحبها يفرج عنها أو يطلقها في الوقت المناسب ليحمل الذاكرة على التخفيف من أعبائها الثقيلة. ثمة توجه ملحوظ، في هذا السياق، يبعث على الاعتقاد بإقدام الشاعر على الاحتكام الى مشاهده المتكاثرة في النصوص وفقاً للأمكنة والأزمنة عينها التي وُلدت فيها الصور وأقامت طويلاً في الجسد وفي الذاكرة على حدّ سواء. من هنا، هذا التشبث بالأسباب والوقائع والظروف التي أحالها الشاعر دلالات على مستوى الرؤية الى الذات والأشياء والعالم بأسره. يخرج الشاعر من حين الى آخر من المكان والزمان المتجمدين في صمت اللحظة الماضية. يفعل ذلك، على الأغلب، بدافع من حاجة الرؤية الى تجاوز اللحظة الراهنة المغرقة في الشروط المجحفة للزمان والمكان. نراه ينصاع الى هذه النزعة المتأصلة في غريزة الشعر على حساب الواقع المتأصل في غريزة الموت، المتسلل الى متاهة الرتابة، المحاصر في دوامة القلق العقيم. كلما استسلم لهذا التوجه استفاقت نصوصه على إيقاع الزمن الشعري وتضاءل، في الوقت عينه، الزمن الواقعي الى حدوده القصوى.
القسوة الغامضة
قد تبدو هذه القراءة أولية، بشكل أو بآخر، في نصوص الشاعر عارف حمزة الصادرة عن “دار النهضة العربية” في بيروت في كتاب بعنوان “الكناري الميت منذ يومين”. يوظف فيها هواجس عميقة مبعثها المعاناة المؤلمة والتجربة الدامية، إذا صح التعبير، لصوغ أنماط من الصور مفتوحة على القسوة الغامضة التي كان تعرّض لها في حياته العملية. نلحظ هذا التوظيف المرهف في سائر النصوص على الأغلب. وقد لا يغيب هذا الهم الدفين في مساحات الحواس حتى عن تلك النصوص التي تبتعد قليلاً أو كثيراً عن المعاناة المذكورة. يستعيد في صوره جزءاً يسيراً من تلك المساحة من الذاكرة التي كونت عالمه المتحول في تلك الإثناء. يستخدمها على نحو من إعادة إطلاقها من أسر اللحظة نحو زمنها الكلي إذا صحّ القول. وكأنها لعنة دائمة لا تبارحه أبداً. والأرجح أن الأمر كذلك باعتبارها الحافز الأهم على تشكيل ذاكرته الشعرية. ولربما بدت هذه الميزة ضرورية في تكوين فضاء الكتاب بحيث لا يعود ثمة فارق بين هذه “اللعنة” ومشروعه الشعري.
على إيقاع هذا التدفق التلقائي للأزمنة والأمكنة من الماضي الواقعي الى خزان الذاكرة ومن ثم الى الذاكرة في رؤيتها الحالية، يضع عارف حمزة نصوصه التي قلما تستبعد عن تفاصيلها مشاهد المعاناة التي صنعت من الشاعر إنساناً آخر. والأرجح أن ثمة ما يوحي، في هذه النصوص، بأن مادتها الشعرية، في طبيعة تكوينها إنما تعزى الى ذلك الانسجام الحقيقي بين الشاعر من جهة وتلك الأجواء النابعة من الجحيم الذي انفتحت بواباته دفعة واحدة، على الشاعر. ليس في هذا التصور ما يفيد بأنه وجد ضالته الشعرية المنشودة في تلك التجربة من الأهوال السياسية والعسكرية التي أفضت به الى أن يصبح مسكوناً بما يزعم أنه هزيمة للإنسان العربي. أو ذلك الإحساس الجارف بالمرارة لما تكبده الوطن العربي من إحباط مروع نتيجة لأحلامه المجهضة بالخوف المتعمّد والترهيب المسبق بأن الزمن الراهن والمقبل أصبح مرادفاً للموت المجاني والخسائر الفادحة. الأغلب أننا لا نعثر على شيء من هذا القبيل، بمعنىأن الشاعر لا يستظل تجربته القاسية هذه ولا يستخدمها ذريعة سهلة ليفتح نصوصه على فضاءات شعرية متألقة.
السكينة واللحظة
على النقيض من ذلك، يستدرج عارف حمزة الى لغته تقنيات في الكتابة الشعرية هي أقرب الى التداعيات الناتجة عن تجربته القاسية. تتشكل مفرداته، في هذا الإطار، في بؤرة واسعة من السكينة التي راكمتها في الذاكرة تلك السنوات التي خدمت فيها جذوة اللحظة المشتعلة. غير أنها احتفظت، على الأرجح، بتلك التشققات والتصدعات التي أصابت الروح فأصبحت ظلاً لها. ومع ذلك، لا يجد الشاعر مفراً من الانسياب الى تلك الظلال ليعيد تكوينها على النحو الذي يستجيب مع الهدوء الذي راح يخيم على الذاكرة. ولربما يجدر التساؤل، في هذا السياق، عن الدور الذي تؤديه السكينة في عملية تطور الزمن الشعري لنصوص الكتاب. الأغلب أن ليس ثمة غياب يبعث على الاعتقاد بأن الشاعر يختاره طوعاً ليقيم تسوية تهدئ من غلواء تجربته المؤلمة. ولو كان الأمر كذلك، لاستخدم لغة تحيل تفاصيل هذه التجربة المريرة أشباحاً باهتة لا إسم لها ولا شكل ولا رائحة. لا يميل الى ابتكار هذا النوع من الظلال التي تفكك الأشياء والوقائع الى مكوّناتها الأولى حتى لا تغدو نصاً مقروءاً، أو نصاً مادياً قائماً في منظومة الأشياء الماثلة في الحياة اليومية. والأغلب أن لا رغبة لديه في تفكيك هذه المشاهد ليخلع عنها هويتها الملازمة لها كما كانت في الأساس وكما ستبقى على الدوام. بدلاً من ذلك، نراه يعكف على تسوية من نوع آخر إذا جاز القول، تتمثل في استعادة التداعيات التي حفرتها هذه التجربة في عمق الذاكرة تمهيداً لنقلها الى فضاء النصوص على نحو يجمع بين آنية اللحظة، من جهة، وظلالها من جهة أخرى. والأرجح أن لا الظلال تطغى على اللحظة، ولا هذه الأخيرة تطغى على الأولى. والقاسم المشترك بين الإثنتين تلك السكينة التي تتيح للشاعر هامشاً واسعاً من التأمل في ما أحدثته التصدعات في الروح من تحولات عميقة في الذاكرة الشعرية.
نصوص متوترة في طبيعتها المشهدية وصورها، لا يتلاشى فيها الواقع وأن استحال رموزاً ودلالات على حجم الخوف والقلق العميق المستوطن في الذاكرة. كلما تعاظمت مشاهد الرعب وانتقلت الى فضاء النص، ازدادت حاجة الشاعر الى جرعة إضافية من التأمل والهدوء لاستيعابها وإعادة تشكيلها بمفردات من جنسها على الأغلب. رؤية لا تثور على النص ولا تستبعده من الزمن الشعري استجابة لمزاج في الكتابة لا يرى في الظلال سبباً وحيداً لإعادة تشكيل العالم.
مختارات
نصوص متفرقة من الكتاب:
كنتُ
أخافُ
من النجاة
كنتُ أخاف من الأمل الغامض
فشاركت
في كل الحروب
وكلما كنتُ أُقتَل
كنت أنهض
لأُقتَل
من جديد.
مغادراً بلدي
بحذاء في رئتي
بحذاء في عيني
بحذاء في قلبي
وهناك
في البلد الغريب
سأتسول عيناً ترى الحياة التي فقدتها
سأتسول الأيدي
الأقدام
الكلى
وحتى
حباً بالعائلة
مرض السلّ القديم
نموتُ
موتاً
بطيئاً
في الطبعة
الشعبية
للحياة
بالقلب المعطوب
بالأمل
بالسرطان
بالصمت
وبداء البُعاد..
نموتُ..
لن نراهم
بعد اليوم..
المستقبل
Share and Enjoy:
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)